أحمد مصطفى المراغي

175

تفسير المراغي

المعنى الجملي بعد أن أمر سبحانه بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين ، بين أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه إلى أعمال العباد ، لأن كل ما في السماوات والأرض ملكه فهو مستغن عنهم وقادر على إثابتهم على طاعته فيما شرعه لخيرهم ومصلحتهم ، بل ليزدادوا بتدبرها إيمانا يحملهم على العمل بها والوقوف عند حدودها . الإيضاح ( وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) خلقا وملكا ، فهو وحده مدبر الأكوان ، فلا يتعذر عليه الإغناء بعد الفقر ولا الإيناس بعد الوحشة إلى نحو هذا مما ينبئ بعظيم القدرة وكمال الجود والإحسان . ( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ) أي ولقد أمرنا من قبلكم من اليهود والنصارى وغيرهم من سالف الأمم كما أمرناكم بتقوى اللّه في إقامة سننه وإقامة شريعته ، فبالأولى ترقى معارفكم ، وبالثانية تزكو نفوسكم وتنتظم مصالحكم الدينية والدنيوية . ( وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) أي وإن تكفروا أنعم اللّه وتجحدوا فضله وإحسانه فاعلموا أنه سبحانه مالك الملك والملكوت لا يضره كفركم ومعاصيكم كما لا ينفعه شكركم وتقواكم ، وقد وصاكم وإياهم بهما لرحمته لا لحاجته . ثم زاد ما سلف توكيدا فقال : ( وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً ) أي وكان اللّه غنيا عن كل شئ بذاته . محمودا بذاته